
الاختلاس ليس مجرد جريمة اقتصادية، بل هو سلوك يتشكل منذ الصغر، حيث تُزرع البذور الأولى للفساد على مقاعد التعليم.
فمن اعتاد التحايل على الدرس، والتغاضي عن القيم في سبيل النجاح السهل، لن يكون غريبًا أن يمدّ يده لاحقًا إلى المال العام، أو يستغل منصبه لتحقيق مكاسب غير مشروعة.
فمن شبّ على التلاعب شاب عليه، وتراه يطور مهاراته في الخداع مع مرور الزمن، متسلحًا بحيل أكثر دهاءً وأعذار أكثر إقناعًا بالنسبة له.
لكن على النقيض تمامًا، هناك رجالٌ بدأوا مسيرتهم بالتميز والتفوق، نذروا أنفسهم لخدمة الوطن بضمير حيّ واستقامة لا تعرف الانحناء.
رجالٌ تربوا على العفة ونقاء اليد وراحة الضمير، فلم تفتنهم إغراءات السلطة ولا بريق الثروة.
ومن بين هؤلاء، يبرز اسم يحيى ولد حدمين، الذي ارتقى في سلم الوظائف بجدارة، مقدمًا أداءً مشرفًا في مختلف المناصب التي تقلدها، فاقترن اسمه بالتفاؤل والنزاهة، وكان مثالًا للإقناع والإخلاص في العمل.
وإذا تأملنا في إرثه العائلي، وجدنا أن الأمانة كانت سجية متأصلة فيه، لا طبعًا مكتسبًا، بل جزءًا من جوهره الإنساني.
فلو كان هناك تكريم للوطنيين الأوفياء الذين لم تلوث أيديهم بأوساخ الدنيا، لكان صاحب المعالي في مقدمة المكرمين.
فقد مرّ الرجل بمحطات مفصلية، حيث توالت الفرص أمام من أراد الاستغلال، لكنه ظل ثابتًا على مبادئه، صامدًا أمام إغراءات المال والسلطة، محتكمًا إلى القناعة التي كانت أقوى من كل إغراء.
هكذا يكون الرجال العظام، وهكذا تُخلّد أسماؤهم في صفحات التاريخ بأحرف من ذهب، بينما يركن نقيضهم في زوايا النسيان الأبدي إلى غير رجعة.
الاعلامي: سيد امحمد أجيون