
"في لحظة سياسية دقيقة، يعود الحديث عن الحوار الوطني بوصفه أداةً لإدارة التباينات، وربما لتأسيس مرحلة جديدة من التوافق. غير أن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه اليوم ليس فقط: من يتحاور؟ بل: على ماذا نتحاور؟ وما هي الحدود الحقيقية لهذا الحوار؟
الحوار، في جوهره، ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لمعالجة اختلالات قائمة، وبناء أرضية مشتركة بين الفاعلين السياسيين. ومن هذا المنطلق، فإن أي حوار وطني جاد ينبغي أن ينصرف إلى قضايا محورية، في مقدمتها إصلاح المنظومة الانتخابية، وتعزيز استقلالية القضاء، وترسيخ مبادئ الحكامة الرشيدة، إضافة إلى مراجعة آليات توزيع الثروة بما يضمن عدالة اجتماعية أوسع. كما لا يمكن تجاهل ملفات الحريات العامة، ودور الإعلام، ومكانة المعارضة في النظام السياسي.
غير أن هذه الطموحات تصطدم بحدود الواقع السياسي. فالحوار، مهما اتسع، يظل محكوماً بإرادة الأطراف المشاركة فيه، وبسقف التنازلات الممكنة. وهنا تبرز إشكالية الثقة، التي تعدّ حجر الزاوية في أي مسار توافقي. فبدون ضمانات حقيقية لتنفيذ المخرجات، قد يتحول الحوار إلى مجرد تمرين سياسي شكلي، يُعيد إنتاج الأزمات بدل حلّها.
كما أن من أبرز التحديات التي تواجه هذا المسار، مسألة شمولية التمثيل. فنجاح الحوار لا يقاس فقط بعدد المشاركين، بل بمدى تعبيرهم الفعلي عن مختلف التيارات والشرائح الاجتماعية. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى حضور معارضة جادة، لا تكتفي برفض الواقع أو الانخراط في تقاسم “الكعكة السياسية”، بل تتجاوز ذلك نحو طرح بدائل واقعية، ورؤى إصلاحية عميقة.
إن المعارضة، في معناها الحقيقي، ليست نقيضاً للسلطة بقدر ما هي شريك في تصويب المسار. وعندما تكون هذه المعارضة مستقلة في قرارها، وقادرة على تجاوز منطق الزبونية السياسية، فإنها تسهم في إضفاء مصداقية أكبر على الحوار، وتدفع به نحو نتائج ملموسة.
في المقابل، يمثل الحوار فرصة حقيقية لإعادة ترتيب المشهد السياسي، وفتح نقاش وطني صريح حول أولويات المرحلة. وإذا ما أُحسن استثماره، يمكن أن يشكل أرضية لتخفيف الاحتقان، وتعزيز الاستقرار، وبناء توافقات مستدامة.
في المحصلة:يبقى الحوار الوطني اختباراً لقدرة الفاعلين السياسيين على الانتقال من إدارة الاختلاف إلى صناعة التوافق.
وهو انتقال لا يتحقق بالشعارات، بل بإرادة سياسية صادقة، واستعداد فعلي لتقديم التنازلات، ووضع مصلحة الوطن فوق الحسابات الضيقة."
أحمد ولد الدوه





.jpg)





