
تقدّم معالي الوزير الأول، المختار ولد اجاي، باستقالة حكومته إلى فخامة رئيس الجمهورية، محمد ولد الشيخ الغزواني، في محطة سياسية تفتح الباب أمام تقييم حصيلة العمل الحكومي، لا من خلال الخطاب السياسي وحده، بل عبر ما تحقق فعليًا من برامج وما أُنجز على أرض الواقع خلال الفترة الماضية.
وتكتسب هذه الاستقالة أهمية خاصة لأنها تتيح قراءة التجربة الحكومية في سياق أوسع، يتجاوز الأشخاص والمناصب إلى مساءلة السياسات العمومية وقياس قدرتها على الاستجابة لتطلعات المواطنين. فالحكومة لا تُقيَّم فقط بمدى انسجامها السياسي أو انتظام عملها الإداري، وإنما بقدرتها على تحويل الوعود إلى مشاريع، والخطط إلى نتائج، والموارد العامة إلى خدمات محسوسة.
لقد تركت هذه التجربة أثرًا في عدد من القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها التعليم والصحة والزراعة، وهي قطاعات تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة، وترتبط بها آمالهم في تحسين الخدمات وتعزيز فرص التنمية. غير أن تقييم هذا الأثر يقتضي التمييز بين إطلاق المشاريع وبين اكتمالها، وبين تسجيل المؤشرات الإيجابية وبين ضمان استدامتها وعدالة توزيعها بين مختلف المناطق والفئات.
ففي مجال التعليم، لا يكفي بناء المدارس أو زيادة أعداد المتمدرسين، بل ينبغي النظر أيضًا إلى جودة التعليم، ومستوى التحصيل، وتكوين المدرسين، والحد من التسرب، ومدى قدرة المنظومة التعليمية على إعداد أجيال تمتلك المهارات الضرورية للمستقبل. وفي قطاع الصحة، لا تُقاس النتائج بعدد المنشآت أو التجهيزات فحسب، بل بانتظام الخدمات، وتوفر الأدوية، وكفاءة الطواقم، وتقليص الفوارق بين المدن والمناطق الداخلية، وضمان وصول المواطن إلى العلاج في الوقت المناسب.
أما الزراعة، فإن دعمها لا يقتصر على توفير المدخلات أو إطلاق المبادرات الموسمية، بل يرتبط بتطوير سلاسل الإنتاج، وتحسين استغلال المياه، وتسهيل التمويل، وفتح الأسواق أمام المنتجين، وتقليص التبعية الغذائية. فنجاح السياسات الزراعية يُقاس بقدرتها على رفع الإنتاجية، وتحسين دخل المزارعين، وتعزيز الأمن الغذائي، لا بمجرد حجم الاعتمادات المرصودة أو عدد البرامج المعلنة.
كما انصبّ الاهتمام على ترسيخ دعائم الاقتصاد الوطني، من خلال دعم الإنتاج وتعزيز القدرات المحلية، بما يسهم في بناء قاعدة اقتصادية أكثر ثباتًا وقدرة على مواجهة التحديات. غير أن هذا المسار يظل مرتبطًا بمدى تنويع الاقتصاد، وتحسين مناخ الأعمال، وتشجيع الاستثمار المنتج، وتوفير فرص العمل، وضبط الإنفاق، وتعزيز الشفافية في إدارة الموارد العمومية.
وتبرز هنا أهمية الأرقام والمؤشرات باعتبارها أدوات موضوعية للحكم على الأداء. فارتفاع معدل النمو، أو زيادة حجم الاستثمارات، أو تحسن الإيرادات، لا يكفي وحده لإثبات نجاح السياسات ما لم ينعكس ذلك على مستوى معيشة المواطنين، وعلى قدرتهم الشرائية، وعلى فرصهم في العمل، وعلى جودة الخدمات الأساسية التي يحصلون عليها. وقد تكون بعض المؤشرات الاقتصادية إيجابية في ظاهرها، بينما تظل آثارها محدودة على الفئات الأكثر هشاشة إذا لم ترافقها سياسات اجتماعية فعالة.
ولعل ما يميز هذه التجربة، وفق هذا التقييم، هو الرهان على النتائج الملموسة، وعلى أن تكون الأرقام والمؤشرات أداة لقياس الإنجاز، لا مجرد عناوين في الخطابات. لكن استعمال الأرقام يتطلب بدوره قدرًا عاليًا من الدقة والشفافية، من خلال تحديد خط الأساس، وبيان الأهداف، ونشر المعطيات، وتوضيح مصادرها، وقياس النتائج على مدى زمني يسمح بالتمييز بين الإنجاز الحقيقي والنتائج الظرفية.
كما أن الحصيلة الحكومية لا ينبغي أن تُقرأ بمعزل عن السياق العام الذي أُنجزت فيه. فالتحديات الاقتصادية والاجتماعية، وتقلبات الأسواق، والضغوط المناخية، والنمو السكاني، واتساع الطلب على الخدمات، كلها عوامل تؤثر في قدرة أي حكومة على تنفيذ برامجها. غير أن صعوبة الظروف لا تلغي ضرورة المحاسبة، بل تجعل التخطيط الواقعي وترتيب الأولويات وحسن توجيه الموارد أكثر أهمية.
فالعمل الحكومي لا يُقاس بما يُقال عنه فحسب، بل بما يتركه من أثر في حياة المواطنين، وما يحققه من نتائج قابلة للقياس والاستمرار. كما أن الإنجاز الحقيقي لا يكتمل بإطلاق المشاريع، وإنما بمتابعة تنفيذها، وتقييم مردوديتها، وتصحيح اختلالاتها، وضمان استفادة المواطنين منها بصورة عادلة ومستدامة.
وتبقى الحصيلة النهائية لأي تجربة حكومية رهينة بما تثبته المعطيات والأرقام، وبمدى انعكاس السياسات المنفذة على واقع المواطنين ومستقبل البلاد. ومن ثم، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تقوم على تقييم هادئ وموضوعي، يثمن ما تحقق، ويكشف مواطن القصور، ويستخلص الدروس، ويضع أسسًا أكثر صلابة لاستمرار الإصلاح وتحسين الأداء العام.
فالمطلوب في النهاية ليس الاحتفاء بالأرقام لذاتها، ولا اختزال التجربة في الانطباعات، بل بناء علاقة واضحة بين القرار والنتيجة، وبين الإنفاق والأثر، وبين البرنامج والتحسن الفعلي في حياة الناس. وعندما تصبح هذه العلاقة قابلة للقياس والمساءلة، تتحول الحصيلة الحكومية من مادة للجدل السياسي إلى رصيد وطني يمكن البناء عليه وتطويره.
الفتاش الاخباري





.jpg)





